الوطن في مهب الريح – جدة والفساد الإثنين 07 ديسمبر 2009
9:55 م
أن ما حدث في جدة ما هو إلا استهتار العديد من المسئولين , فمن الطرق والمواصلات والنقل إلى الكهرباء والمياه إلى الصرف الصحي والبلديات بل وحتى التجارة والصناعة وغيرها من الجهات الحكومية المختلفة.
يجب أن لا نلقي اللوم على أمانة جدة فقط فأمانة جدة مجرد مؤسسة صغيرة من المؤسسات الحكومية والأهلية الأخرى والتي ساهمت وشاركت في حادث الغرق الذي راح ضحيته البؤساء في جدة.
منذ زمن والعديد من الكتُاب والناقدون والمهندسون وذوي الاختصاص والعقلاء يحذرون من الفساد الإداري والمالي بل أن بعض الأكاديميون في الجامعات من المتخصصين قد بح صوته عبر القنوات الفضائية وجف حبر قلمه في صفحات الرأي بالصحف المحلية وهو يتحدث عن جدة المدينة التي تسمى تلميعا بعروس البحر الأحمر بينما هي في الحقيقة مدينة تعتبر عينه من عينات البحوث المتخصصة في الفساد الإداري والمالي للباحثين الجادين في البحث العلمي لتطبيقها على دراساتهم الاقتصادية.
مدينة جدة منذ زمن طويل وهي تصرخ من حي غليل والبوادي بل وحتى أرقى أحياء جدة الشمالية والتي تعاني صيفا من نقص المياه الصالحة للشرب .. صرخت مدينة جدة أكثر من مرة والمسئولين منشغلين بتخطيط الأحياء العشوائية في مناطق مجرى السيول والوديان والشعبان حتى أن أحد المسئولين في الأمانة قام بضم حديقة عامة لفناء منزلة وجعلها من أملاكه الخاصة وأخر يقوم بتجارة المناقصات وتطبيق المنح على أراضي مخصصة للمرافق الخدمية داخل الأحياء والأخذ من تحت الطاولة , لنجد أحد الكباري في جدة والذي لم يمض على الانتهاء من تشييده سوى أقل من سنه ينهار مع أول زخات المطر لأنه بني من غير أساسات ودعائم في الأرض كما حدث في كبري جامعة الملك عبد العزيز .. بل ولنجد مبنى من المباني الكبيرة والذي كان معلما من معالم المراكز التجارية في جدة قد أصبح سكنا للأشباح بسبب نفور المستأجرين منه لأنه قد حوصر من الجهات الأربع بطرق سريعة كما حدث لمجمع محمود سعيد التجاري.
أن مدينة جدة هي مدينة شد لي وأقطع لك مدينة الذبيحة والجمل مدينة اللقمة من صحن يتربع عليه العديد من الشركاء في جريمة وقعت و راح ضحيتها العديد من الأبرياء بسبب إهمال مؤسساتي كبير أشترك فيه أكثر من مؤسسة حكومية وأهلية مشاريع تنفذ بالملايين بدعم من الدولة و لكن الملايين والمليارات تذوب في يد المنتفعين بطرق نظامية خفية .. وعندما يغيثنا الله بمطر طال انتظاره وبدلا من أن يكون هناك مشاريع جيدة لتصريف السيول نكتشف أن الحفر المخصصة للتصريف مجرد حفرة بغطاء معدني ولنكتشف أيضا أن المشاريع في جدة وهمية ولا يوجد شيء مما ذكر في وسائل الإعلام على أرض الواقع من تلك المليارات التي صرفتها الدولة لتنفيذ المشاريع.
كان لي شرف الذهاب للمشاعر المقدسة في موسم الحج الحالي للتغطية الإعلامية والمشاركة في الدعم للعديد من القنوات الفضائية من قنوات BBC وروسيا اليوم وقناة الحرة وغيرها من القنوات لتقديم الدعم وتسهيل المهمات للمراسلين في عملهم الإعلامي من عمل لقاءات مع المسئولين الحكوميين وغيرهم .. كانت البداية ناجحة بكل ما تعنيه الكلمة كنا متواجدين في جدة في يوم الجمعة 3 من ذي الحجة , كانت بدايتنا يوم السبت 4 من ذي الحجة مع الفريق الأجنبي والعربي للقنوات الفضائية , يوم السبت قاموا بتصوير المطار منذ وصول الحاج القادم من الطائرة كان المسئولين في مبنى الحجاج ومطار الملك عبدا لعزيز في قمة التعاون معنا لإحساسهم و وطنيتهم بأن الحدث يجب أن يراه العالم ككل كان معنا الأستاذ سامي البدر مدير عام الصالات لتسهيل مهمة الفريق في التصوير وكان معنا الأستاذ خالد خيبري مدير العلاقات العامة بالطيران المدني والزميل فهد البقمي من الطيران المدني والزميل سابقا في صحيفة الاقتصادية .. كان الحدث الذي نقوم بتغطيته إعلاميا في قمة الروعة جهود خادم الحرمين الشريفين في كل مكان من استقبال للحجاج وتسهيل لإجراءاتهم وتوزيع الهدايا والمعقمات على الحجاج القادمين .. أيضا جهود وزارة الصحة في كل مكان في المطار من وحدات صغيرة مجهزة عند بوابات الطائرات للحجاج القادمين زودت بكاميرات حرارية لاكتشاف المرضى وأخذهم للعلاج الفوري في مستشفى مصغر بأسفل المبنى به كافة الخدمات العلاجية و الإسعاف السريع وحدات إسعاف بسيارات الهلال الأحمر مجهزة لأجراء العمليات الجراحية , وكان يتم إرسال المصابين بأنفلونزا الخنازير على وجه السرعة لمستشفى الملك سعود والذي خصص للمصابين بالأنفلونزا لتلقي العلاج السريع حتى أن كل المصابين تم شفائهم وتمكينهم من تأدية مناسك حجهم ولله الحمد ولم تسجل حالات وبائية ولا مشاكل أمنية حتى أن العديد من الإعلاميين اللذين يحضرون كل سنة أشادوا بأن هذا الموسم من أفضل المواسم.
أجرينا المقابلات مع العديد من المسئولين منهم معالي رئيس الطيران المدني و وزير الصحة و أمين العاصمة المقدسة والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات كل ذلك كان بفضل الله ثم بتعاون الأخوة الزملاء في العلاقات العامة ومكاتب المسئولين بل والمسئولين مباشرة عبر اتصالنا بهم .. قال لي احد المراسلين في قناة BBC وهو بريطاني من أصل عربي أن السعودية تبذل جهودا في الحج من الصعب أن تقوم بها دولة أخرى, قلت له أن كل ما رأيته ليس إلا البداية أن شاء الله إذا ذهبنا لمنى فسوف ترى الجهود الجبارة التي وفرتها حكومة خادم الحرمين الشريفين في المشاعر.
المهم كانت رحلتنا موفقة ومشرفة بفضل الله ثم بفضل جهود خادم الحرمين الشريفين في خدمة الحجاج في كل مكان بالمطارات والفنادق وتسهيل مهامهم بالإضافة إلى أننا نتحدث ونقوم بتغطية واقع لا يمكن إنكاره فجهوده حفظه الله هي التي تتحدث عن نفسها .. ولكن ماذا حدث بعد كل ذلك ؟ .
جاء يوم الأربعاء الثامن من ذي الحجة كان المطر ينهمر من بعد الفجر بشكل خفيف أستمر المطر .. كان مقر الفندق الذي نسكنه مع طاقم القنوات المرافقة لنا قريبا من فندق ماريوت بشارع فلسطين والذي من المفترض أن نكون متواجدين فيه قبل الساعة الثانية ظهرا لأن كل البعثات الإعلامية لابد أن تنطلق عبر الباصات والسيارات التي خصصتها وزارة الإعلام لنقلهم ستنطلق الساعة الثالثة عصرا , كان كل شيء مرتب له مسبقا لا يوجد أي مشاكل فقد وفرت وزارة الإعلام كل شيء للوفود من اتصالات وإنترنت ونقل بين مكة وجدة وسهلت لهم خطابات التصوير الخارجي وتسهيل كافة المهمات لنقل الشعائر .. ولكن مع الأسف كل تلك الجهود ذابت في ما حدث لمدينة جدة من غرق فعندما هممنا للذهاب عبر الباصات الساعة الثالثة عصرا صدرت الأوامر بعدم تحرك الباصات حتى أن هناك باصات خصصت لكبار الشخصيات من الضيوف على الدولة وضيوف الحرس الوطني صدرت الأوامر بعدم تحركها .. بدأت أخبار الغرق تردنا عبر الاتصالات والإنترنت والمركز الإعلامي الوفود والبعثات الأجنبية من الإعلاميين يتهامسون فيما بينهم " هل يعقل هذا المطر يغرق الناس !! " وآخر يرده اتصال " ماذا جسر ينهار من مطر !!! " وآخر يتحدث مع إعلامي من وكالة رويترز يقول : معقول لا يوجد تصريف للسيول !! , ليرد عليه أن فتحات التصريف مجرد حفر بغطاء حديدي !".
أصبح الشغل الشاغل للبعثات الإعلامية تغطية أحداث جدة ومعرفة عدد الشهداء وهل هناك جسور أو كباري انهارت , بل أن بعضهم لم يصدق بأن هناك أنفاق قد امتلأت بالمياه ويتم شفطها بصهاريج شفط الصرف الصحي .
تلقيت بعض الاتصالات من بعض الزملاء في مشعر منى يقول بأن الأمطار شديدة على منى .. هدأ المطر في جدة وعند الساعة السابعة اضطررت وبعض الزملاء للذهاب لمنى لأنه يتوجب علينا الوصول قبل الساعة 12 ليلا حتى نجهز لبعض التجهيزات .. تفاوضنا مع أحد الأشخاص يوصلنا لمكة لأنه من أهل مكة وهو في طريقة للعودة لمكة فقال أن طريق الشميسي مغلق تماما بسبب السيول ولكن بالإمكان أن نذهب مع طريق عسفان , ذهبنا معه وبالفعل عندما اقتربنا من بداية الطريق وجدنا رجال المرور يمنعون السيارات من التوجه لطريق مكة الذي يمر بالشميسي ويوصونهم بأخذ طريق عسفان مع توخي الحذر, وصلنا لنقطة تفتيش الحجاج على طريق عسفان ومن المناظر التي رأيتها .. رأيت العديد من سائقي الأجرة ينزلون الحجاج قبل التفتيش ليمشوا عبر طريق الجسر الذي يمر من فوق التفتيش ليقوم سائق الأجرة بانتظار الحجاج بعد التفتيش ليذهبوا معه لمكة وعندما سألت أحد رجال الأمن قال كل الحجاج اللذين تراهم يعبرون الجسر من الأعلى مخالفين ولا يملكون تصريحا بالحج والدولة وفقها الله لا تريد أن تمنعهم ونحن لا ندعهم يعبرون من عندنا في نقاط التفتيش والدولة لا تريد أن تمنع أي حاج يذهب لبيت الله.
وصلنا لمنى تقريبا العاشرة والنصف فلم أرى قطرة ماء واحدة والسبب أن هناك أمانة في المشاريع التي نفذت في منى فالتصريف الخاص بالسيول قد أستوعب كل الأمطار الهائلة التي هطلت على منى فهناك فرق بين المسئولين القائمين على مشاريع في منى والمسئولين القائمين على مشاريع في جدة بالطبع مشعر منى أصبح اليوم أعجوبة من عجائب الدنيا وبشهادة احد رؤساء البعثات الذي يمتدح مشروع منى بقوله "لقد حول خادم الحرمين الشريفين رحلة الحج من رحلة بها الكثير من المشقة إلى رحلة ممتعة حتى أن الحاج لينسى هموما كثيرة ليتفرغ للعبادة".
وعودة للفساد الإداري .. فأن ما حدث في جدة فهو في الحقيقة مجرد نموذج صغير شاء الله أن يكشفه للناس ليعلم كل ذي لب بأن ما حدث في جدة هو مجرد قمة جبل الجليد ولم يظهر الجبل بعد فالفساد الإداري في كل مكان فما بين جدة ومكة هو ما بين حائل وأبها وهو أيضا ما بين الرياض والشرقية وكل ذلك هو بالخط العريض ( الفساد الإداري المستشري في وطني منذ عقود) .
فهل ننتظر كوارث أخرى حتى نلتفت لصيحات الشرفاء في بلدي .
للحساسية
يضاف على فنجان من «العسل» الفزلين، وزيت الورد، ويدهن مكان الحساسية صباحاً ومساء، مع تجنب المواد المثيرة للحساسية كالبيض والمانجو، ومع الدهان يتم تناول ملعقة غسل يومياً.