بينما كنت أنتظر في قسم الطوارئ في إحدى مستشفيات مملكتنا الغالية ؛ لفت انتباهي أن جميع الممرضين سعوديين..
حقيقة لقد أفرحني ذلك جدا وتمنيت أن يكون كذلك جميع الأطباء من أبناء بلدي ؛ لكن ما أن طال انتظاري حتى وجدت أن هؤلاء الشباب غير مبالين كثيرا بالمسئولية والأمانة التي على عاتقهم وبالمكان الذي يتواجدون فيه والذي يقدم أعظم وأنبل خدمة للإنسانية ، فنجدهم مرة يتهامسون ومرة يضحكون ولا اخفي أن بعض الأطباء الأجانب يشاركونهم ذات الشيء ولكن بتحفظ شديد ..
المهم ونحن على هذه الحال إذ بقادم من بعيد يجر رجليه بثقل وهو يلبس نفس ملابس أصحابنا ، كان مططا الرأس ؛ وكان يبدو من عينيه أن يحمل أخبارا ثقيلة ، فقال بصوت خافت جدا : ماتت !!
ألتفتَ أصحابنا الممرضين وكأن الخبر وقع عليهم كالصاعقة !! ماتت !! ماتت!! فنظرت لوجههم لعلي اعرف ما القصة فإذا بأحد أصحابنا_ والذي كان أخفهم دما والذي لم يسلم أحد من زملائه من تعليقاته ولا حتى الممرضات من مشاكساته_ تنتشر في عينيه الخطوط الحمراء بدقة متناهية!! وكذلك صاحبه الذي بدأ فكه بالتحرك الخفيف وهو يحاول السيطرة عليه .. فهمس احدهم بقلق " درى !!"
فباغته صاحبنا الذي بلغنا بالخبر أول مرة : " لا .. توها الحين توفت"
حقيقة لقد أصابني شعور غريب ليس لأني اكره مثل هذه الأخبار وهذه المواقف وحسب بل لأنه أول مرة في حياتي أسمع خبر وفاة شخص لم يمض على وفاته لحظات..
تهامس أصحابنا في كيفية نقل الخبر لشخص ما ..فهمس احدهم ":خلنا نبلغه قبل ما يجي هنا فتكون الصدمة عليه أشد أمام العالم"
ويبدو أنهم على علم بوصول أو قرب وصول المعني بهذا الخبر.. فانطلقوا جميعا..
وخلا القسم من طاقم التمريض للحظات ...فالتفت فلم أجد سوى الطبيبين الأجنبيين فهمست بفضول : "هو مين اللي مات ؟" فلتفت إلى احدهم ببط وقال ببرود : "هو فيه أحد توفي ؟!!"
حقيقة لقد تفاجئت أن كل هذه الأحداث تحدث حولهما وبينهما.. دون أن يشعروا بها !! خاصة أنهما يلبسان هذا القماش الأبيض الذي يدل على أنهما يشغلان أنبل وظيفة إنسانية في العالم !!.
عموما لم أجد بداً من اللَّحاق بأصحابنا .. وعندما خرجت في فناء المستشفى وجدت احدهم واقفا على باب الطوارئ متسمرا في مكانه والدموع في عينه وبعض أصحابنا ممسكين بشخص متأثر جدا ويحاولون تهدئته ويسيرون به في الطريق المؤدي إلى ثلاجة الموتى .. ياله من موقف صعب جدا ..
كان ولد هذه المتوفيه يعمل ممرضا في المستشفى نفسه وكانت والدته تعاني من بعض الآلام في الرئة والقلب ولم يكن ولدها يوم وفاتها في دوامه!! .. فسبحان من له الدوام .. وكان هؤلاء الممرضين زملاء له بالعمل فذهب بعضهم لتخفيف عنه بينما أصحابنا "الدكاترة الأجانب ولا كأن فيه أحد توفي ..فكيف إذ كان من توفي هي أم زميل لهم يعمل معهم في نفس المستشفى !! "
أعترف أننا نحن أغلب السعوديين نكره الانضباط والتقيد فيه !! لكن ما أن يصل الأمر إلى شي يمس الإنسانية ستجدنا جميعا مساهمين فيه فهذه هي حقيقتنا كسعوديين... إنسانية لو وزعتها على باقي العالم لكفته .. أحمد الله أني سعودي .. وأحمد الله قبل ذلك أني مسلم ..
ورحم الله أم هذا الشاب ورحم الله أمواتنا جميعا..
مقال للكاتب والروائي السعودي
فوزي القبوري العتيبي
نشر في صحيفة الوئام الالكترونية